ابن رشد

40

تهافت التهافت

خرافة ، لأن القوم ينكرون وجود ما لا نهاية له بالفعل ، سواء كان جسما ، أو غير جسم ، لأنه يلزم عنه أن يكون ما لا نهاية له أكثر مما لا نهاية له . ولعل ابن سينا إنما قصد به إقناع الجمهور فيما اعتادوا سماعه من أمر النفس ، لكنه قول قليل الإقناع ، فإنه لو وجدت أشياء بالفعل لا نهاية لها ، لكان الجزء مثل الكل . أعني إذا قسم ما لا نهاية له على جزءين . مثال ذلك : أنه لو وجد خط أو عدد ، لا نهاية له بالفعل من طرفيه ، ثم قسم بقسمين لكان كل واحد من قسميه لا نهاية له بالفعل . والكل لا نهاية له بالفعل . فكأن يكون الكل والجزء لا نهاية لكل واحد منهما بالفعل ، وذلك مستحيل . وهذا كله إنما يلزم إذا وضع ما لا نهاية له بالفعل لا بالقوة . قال أبو حامد : فإن قيل : فالصحيح رأي أفلاطون وهو أن النفس قديمة ، وهي واحدة ، وإنما تنقسم في الأبدان ، فإذا فارقتها عادت إلى أصلها واتحدت . قلنا : فهذا أقبح وأشنع ، وأولى بأن يعتقد مخالفا لضرورة العقل ، فإنا نقول : نفس زيد عين نفس عمرو ، أو غيره . فإن كان عينه ، فهو باطل بالضرورة ؛ فإن كل واحد يشعر بنفسه ويعلم أنه ليس نفس غيره . ولو كان هو عينه لتساويا في العلوم التي هي صفات ذاتية للنفوس ، داخلة مع النفوس في كل إضافة . فإن قلتم : إنه عينه ، وإنما انقسم بالتعلق بالأبدان . قلنا : وانقسام الواحد الذي ليس له عظم في الحجم وكمية مقدارية ، محال بضرورة العقل ، فكيف يصير الواحد اثنين ، بل ألفا ثم يعود ويصير واحدا . بل هذا يعقل فيما له عظم وكمية ، كماء البحر ، ينقسم بالجدول والأنهار ثم يعود إلى البحر . فأما ما لا كمية له ، فكيف ينقسم ؟ والقصد من هذا كله أن نبين أنهم لم يعجزوا خصومهم عن معتقدهم في تعلق الإرادة القديمة بالإحداث إلا بدعوى الضرورة في امتناع ذلك ، وأنهم لا ينفصلون عمن يدعي الضرورة عليهم في هذه الأمور على خلاف معتقدهم وهذا لا مخرج عنه . قلت : أما زيد فهو عمرو بالعدد ، وهو وعمرو واحد بالصورة ، وهي النفس . فلو كانت نفس زيد مثلا غير نفس عمرو بالعدد ، مثل ما هو زيد غير عمرو بالعدد ، لكانت نفس زيد ، ونفس عمرو اثنين بالعدد واحدا بالصورة ، فكأن يكون للنفس نفس . فإذن اضطر أن تكون نفس زيد ، ونفس عمرو ، واحدة بالصورة . والواحد بالصورة إنما تلحقه الكثرة العددية أعني القسمة من قبل المواد . فإن كانت النفس ليست تهلك ، إذا هلك البدن ، أو كان فيها شيء بهذه